عبد السلام احمد الراغب

45

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

والنهاية ، حيث يرجع الإنسان إلى خالقه للحساب والجزاء . ولكن الصورة لا تغلّب الجانب الفكري على الجانب الفني ، بحيث يبدو الفكر جافا وباردا ، وكذلك لا تغلّب الجانب الفني على الفكري حتى لا تبدو الصورة فارغة جوفاء . بل نجد القرآن الكريم يتّخذ الصورة الفنية وسيلة للتعبير عن الأغراض الدينية أو الفكر الإسلامي . والفكر باعتباره مكوّنا للصورة القرآنية يقوّي من تأثيرها في المتلقي ، وقد لاحظ النقاد أهمية الفكر في تشكيل الصورة الأدبية عموما . فعبد القاهر الجرجاني أدرك منذ القديم أهمية الفكر في تشكيل الصورة ، ودور الصورة في إبرازه ، وتوضيحه والتأثير في المتلقي ، يقول الجرجاني : « إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسّمت حتى رأتها العيون . . . » « 2 » ، « ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ، ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى . . . » « 3 » . ثم إنّ هذا الفكر في الصورة القرآنية متصل بالواقع ، ولا ينفصل عنه ، فهو يعرف الإنسان بالواقع المحيط به ، ويكشف له عن حقيقته ، ويوضّح له دوره في هذا الواقع المعاش ، وحتى حين تعرض الصورة القرآنية عالم الغيب أو الآخرة ، فإن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الأبدية في الآخرة يتمّ بشكل منطقي متدرّج ، وذلك بربط عالم الغيب المستور ، بعالم الشهادة ، حتى يتدرّج العقل في إدراك هذه النقلة ، من عالم محسوس إلى عالم غير محسوس ، من خلال تقديم الأدلة والبراهين على ذلك . بهذه الصورة نفهم العلاقة الوثيقة بين الفكر والواقع ، ضمن الصورة الفنية وخارجها في القرآن ، فالفكر داخل الصورة ينسجم مع الواقع خارج الصورة ولا ينفصل عنه ، لأن الموجودات الخارجية في الواقع المعاش ترجع في الأساس ، كما يرجع الإنسان والحياة وكل شيء إلى مصدر واحد ، وهو الله سبحانه الذي أوجد العالمين المشهود وغير المشهود ، وبذلك يكون التواصل بين الصورة القرآنية والمتلقي أكثر فاعلية وتأثيرا من الصور الأدبية . لأن الصور الأدبية الأخرى تفقد هذه الخاصية التي تميّز الصورة القرآنية .

--> ( 2 ) أسرار البلاغة : ص 33 ( 3 ) المصدر السابق : ص 118 .